الشوكاني
143
نيل الأوطار
يصل بها ما كان في حياته بعد مماته ، ويقال : وصية بالتشديد ، ووصاة بالتخفيف بغير همز ، وتطلق شرعا أيضا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات . قوله : ما حق ما نافية بمعنى ليس والخبر ما بعد إلا . وروى الشافعي عن سفيان بلفظ : ما حق امرئ يؤمن بالوصية الحديث أي يؤمن بأنها حق ، كما حكاه ابن عبد البر عن ابن عيينة ، ورواه ابن عبد البر والطحاوي بلفظ : لا يحل لامرئ مسلم له مال وقال الشافعي : معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده ، وكذا قال الخطابي . قوله : مسلم قال في الفتح : هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الاسلام عن تارك ذلك ، ووصية الكافر جائزة في الجملة ، وحكى ابن المنذر فيه الاجماع . قوله : يبيت صفة لمسلم كما جزم به الطيبي . قوله : ليلتين في رواية للبيهقي وأبي عوانة : ليلة أو ليلتين . ولمسلم والنسائي : ثلاث ليال . قال الحافظ : وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ، ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه ، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد ، والمعنى : لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة ، وفي إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير وكأن الثلاث غاية التأخير ، ولذلك قال ابن عمر : لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي عندي قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة : أي لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك . قال العلماء : لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء به عن قرب . ( وقد استدل ) بهذا الحديث مع قوله تعالى : * ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) * ( سورة البقرة ، الآية : 180 ) الآية على وجوب الوصية ، وبه قال جماعة من السلف منهم عطاء والزهري وأبو مجلز وطلحة بن مصرف في آخرين ، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم ، وبه قال إسحاق وداود وأبو عوانة الأسفراييني وابن جرير . قال في الفتح وآخرون وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة وليست بواجبة ، ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الاجماع وهي مجازفة لما عرفت . وأجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة كما في البخاري عن ابن عباس قال : كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من